الإِثنين, 16 نيسان 2012 - عظة المطران بطرس مراياتي رئيس أساقفة حلب وتوابعها للأرمن الكاثوليك في عيد الفصح


إنّ قيامة السيّد المسيح حدث مؤسِّس للديانة
المسيحيَّة.
"
المسيح قام!". هذه كانت البُشرى الأُولى التي أعلنها بطرس الرسول، بعد نزول الروح القُدُس على الرُسُل، كما جاء في سِفْر أعمال الرُسُل، الذي هو تاريخ بدايات انتشار الدِين المسيحيّ:
"
إنّ يسوع الناصريّ، ذاك الرَجلَ الذي أيّده الله لديكم بما أجرى عن يده بينكم من المعجزات والأعاجيب والآيات، كما أنتم تعلمون، ذاك الرَجلَ الذي أُسلم بقضاء الله وعِلْمه السابق فقتلتموه إذ علّقتموه على خشبة بأيدي الكافرين، قد أقامه الله وأنقذه من أهوال الموت" (2/22-24). "فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن بأجمعنا شهود على ذلك" (2/32). "فَلْيعلمْ يقيناً آلُ إسرائيل أجمع أنّ يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم قد جعله الله ربّاً ومسيحاً" (2/36).

إنجيل القيامة في أُورَشَليم
لقد انطلقت الكنيسة المسيحيَّة من هذه البُشرى - الشهادة: "المسيح قام!". إنّه أوّل إنجيل شفويّ يُعلَنُ للملأ بفم الرُسُل!
صحيح أنّ ميلاد السيّد المسيح هامّ في تاريخ الخلاص - فلولا تجسّد ابن الله وظُهوره بين البَشَر لما كان تحقّق الوعد بين السماء والأرض - ولكنْ، ما نفع التجسّد إذا لم يُكلَّلْ بالفداء، أي بالموت، موت الصليب؟!
صحيح أيضاً أنّ الصليب كان طريق الفداء، ولذلك نحن "نبشّر بمسيح مصلوب" (1قورنتُس 1/23)، كما يؤكّد بولس الرسول. ولكنْ، لولا القيامة لما أخذ الصليب بُعده الحقيقيّ، ولبقي خشبةً عاديَّةً "عِثاراً لليهود وحماقةً للوثنيّين" (1قورنتُس 1/23).
منذ نشأة الكنيسة أصبح إنجيل القيامة هذا مركزاً للبشارة الرسوليَّة، يردّده الرُسُل على مسامع الجميع. وهذا ما شهد له بطرس أمام مجلس اليهود في أُورَشَليم داعياً إلى أن يَعلَموا جميعاً، ويعلمَ الشعب كلُّه، أنّ يسوع المسيح الناصريّ، الذي صلبوه هم، أقامه الله من بين الأموات (راجع أعمال 4/10).
وإليكم ما بشّر به الشعب في رِواق سُلَيْمان: "إنّ إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، إله آبائنا، قد مجّد عبده يسوع الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام بيلاطُس، وكان قد عزم على تخلية سبيله، ولكنّكم أنكرتم القُدُّوس البارّ والتمستم العفو عن قاتل (ويعني بَرْأَبّا)، فقتلتم سيّد الحياة، فأقامه الله من بين الأموات، ونحن شهود على ذلك" (أعمال 3/13-15).
وحين طلب رئيس المجمع أن يكفّ الرُسُل عن التعليم، أجاب بطرس والرُسُل: "الله أحقّ بالطاعة من الناس. إنّ إله آبائنا أقام يسوع الذي قتلتموه إذ علّقتموه على خشبة. وهو الذي رفعه الله بيمينه وجعله سيّداً ومخلِّصاً..." (أعمال 5/29-32).
وهنا، تتجاوز حقيقة القيامة مفهوم النهوض من القبر، لتؤكّد حقيقة "الرفع" إلى السماء. مَن انحدر من السماء يوم التجسّد يعود إلى السماء يوم الصعود، ويجلس إلى يمين الآب، كما يقول القدِّيس يوحنّا الدمشقيّ († 754): "ونحن نعني بيمين الآب مجد الألوهة وشرفها، حيث جلس مَن كان ابناً لله قبل جميع الدهور، إلهاً واحدَ الجوهر مع الآب، من بعد ما تجسّد ومن بعد ما تمجّد جسده".
نقرأ في سيرة إسطفانُس، أوّل شهداء المسيحيَّة، أنّه قبل أن يُرجم: "حدّق إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القُدُس، فرأى مجد الله ويسوع قائماً عن يمين الله. فقال: ها إنّي أرى السموات متفتّحة، وابنَ الإنسان قائماً عن يمين الله" (أعمال 7/55-56).

إنجيل القيامة بين الوثنيّين
لم يُعلَنْ إنجيل القيامة بين اليهود في أُورَشَليم وحسب، بل شَرَعت الكنيسة أبوابها للوثنيّين أيضاً: "إنّ الله لا يراعي ظاهر الناس (أي الانتماء القوميّ أو الوضع الاجتماعيّ)، فمَن اتّقاه من أيَّة أُمّة كانت وعمل البِرّ كان عنده مَرْضِيّاً" (أعمال 10/34-35).
ولذلك شرع بطرس يعلن البشارة في بيت قُرْنيلِيوس قائد المئة الرومانيّ الوثنيّ "في شأن يسوع الناصريّ كيف أنّ الله مسحه بالروح القُدُس والقدرة، فمضى، من مكان إلى آخَر، يعمل الخير، ويُبرئ جميع الذين استولى عليهم إبليس، لأنّ الله كان معه. ونحن شهود على جميع أعماله في بلاد اليهود وأُورَشَليم. والذي قتلوه إذ علّقوه على خشبة هو الذي أقامه الله في اليوم الثالث" (أعمال 10/38-40). "وقد أوصانا أن نبشّر الشعب ونشهد أنّه هو الذي أقامه الله ديّاناً للأحياء والأموات. وله سيشهد جميع الأنبياء بأنّ كلّ مَن آمن به ينال باسمه غفران الخطايا" (أعمال 10/42-43).
ومن هنا يظهر جليّاً أنّ قيامة المسيح لم تأتِ في فراغ دِينيّ، بل هي تحقيق لنبوءات كثيرة جاءت على لسان الأنبياء في العهد القديم. نذكر، على سبيل المثال، ما قاله داود النبيّ: "لأنّك لن تتركَ نَفْسي في مثوى الأموات ولن تدعَ قُدُّوسك ينال منه الفساد" (مزمور 16/8-11). "قال الربّ لربّي: اِجْلِسْ عن يميني حتّى أجعلَ أعداءك موطئاً لقدمَيك" (مزمور 110/1).
وقد اختار بولس الرسول في بشارته هذا الأسلوب، فكان "يشرح لهم مبيّناً كيف كان يجب على المسيح أن يتألّمَ ويقومَ من بين الأموات" (أعمال 17/3).
- "
لا أقول إلاّ ما أنبأ الأنبياء وموسى بحدوثه من أنّ المسيح سيتألّم وأنّه، وهو أوّلُ القائمين من بين الأموات، سيبشّر الشعب والوثنيّين بالنُور" (أعمال 26/23).
نضيف إلى ذلك أنّ الإيمان بالقيامة يمنح غفران الخطايا. ففي يسوع الذي مات وقام، والذي هو ربّ الكلّ، يُعرَض الخلاص لكلّ مَن يؤمن به، من دون استثناء أو حصر: "آمِنْ، تخلصْ" (أعمال 16/31).
ولا عجبَ إذا نُسب إلى يسوع دَور "الديّان"، فهذا امتياز إلهيّ. وكما نعلم ستتمّ دينونة "الأحياء والأموات" هذه، عند مجيء يسوع الأخير.
لم يكتفِ الرُسُل بإعلان بُشرى القيامة في أُورَشَليم ودمشق وأنطاكية، بل انطلقوا حتّى آسيا الصُغرى. فهذا بولس الرسول يبشّر في بِسيدِيَة معلناً: "وبعدما أتمّوا كلّ ما كُتِب في شأنه، أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في القبر. غير أنّ الله أقامه من بين الأموات، فتراءى أيّاماً كثيرة للذين صَعِدوا معه من الجليل إلى أُورَشَليم، وهم الآن شهود له عند الشعب" (أعمال 13/29-31).
إنّ قناعة الرُسُل بقيامة المسيح تستند إلى الترائيات. لم يكتفوا باكتشاف القبر الفارغ، بل عاينوا المسيح حيّاً، ورأوه أكثر من مرّة! ومن أجل إيمانهم بيسوع الحيّ القائم من بين الأموات أدَّوا الشهادة حتّى الاستشهاد.

دعوة إلى الرجاء
جئنا، في هذا اليوم المبارَك، لنُحْيي الذِكرى، ونجدّد الإيمان، ونعيش الرجاء.
إنّ ذِكرى قيامة السيّد المسيح ليست كباقي الذِكريات، التي تعود إلى حدث مضى وانقضى! بل هي حقيقة مستمرّة. لأنّ المسيح حيّ بيننا، وهو معنا على الدوام، بروحه القُدُّوس. والدليل على ذلك أنّنا، كلّ يوم، نذكر في صلواتنا قيامة المسيح، ونتغذّى روحيّاً بثمارها. كما نحتفل، كلّ يوم أحد، بذِكرى القيامة ممجِّدين الله، وشاكرين إيّاه على نِعَمه.
فالقيامة ليست حدثاً عابراً، بل هي محور أساس في كينونتنا المسيحيَّة. في فلكها تدور جميع الأعياد. ومن نُورها تُضاء حياة المؤمن. وعليها تَبني الكنيسة عقائدها.
إنّها مناسبة مبارَكة لكي نجدّد إيماننا بالمسيح القائم من بين الأموات، الذي بقيامته، حوّل دربَ الآلام إلى درب المجد، وإكليلَ الشوك إلى تاج الملوكيَّة، وقصبةَ العار إلى صولجان الربوبيَّة، ورداءَ الأرجوان إلى ثوب النُور، وصليبَ الخشب إلى عرش الذهب، مدحرِجاً حجر القبر، ومحطِّماً سلاسل الموت، ومنتصِراً على ظلام الخطيئة بنُوره الوُضّاء.
في هذه الظروف الصعبة التي تمرّ بها سورية، لا بدَّ أن نتحلّى بالصبر، ونثبت في الرجاء. وكلّنا أمل بأنّ القيامة إلى حياة جديدة، ستأتي بعد درب الآلام، مهما طال الانتظار.
وإذا فقدنا كلّ شيء، فحذارِ أن نفقد الرجاء! وكما يقول أحد الحكماء: "نُور الإيمان والمحبّة والسلام قد يخبو، ولكنْ، تكفي شعلة الرجاء لتُعيد إلى هذه الثلاثة نُورَ الحياة".
نرفع الدعاء إلى الله، في هذا العيد المبارَك، مردِّدين: "افتحْ لنا، يا ربّ، افتحْ لنا، يا ربّ، بابَ رحمتك، نحن الذين نلتجئ إليك".
نحن نثق برحمة الله. وليس من أمر يُعجزه تعالى. وسيكون فَرَج بعد كَرْب، وصفاء بعد تلبّد، وتفاهم بعد تناحر، وتقارب بعد تباعد، وتحاور بعد تقاتل. ويظهر في سماء الوطن قوس قزح مبشِّراً بنهاية العاصفة، وبداية عهد جديد من المصالحة، والأخوّة، والسلام، لبناء مستقبل الإصلاح والعدالة والمساواة.
نترحّم على أرواح الشهداء، ونعزّي المفجوعين، ونساند المتضرّرين، وندعو لوقف مظاهر العنف والقتل، بين أبناء الشعب الواحد. لأنّ العنف يولّد العنف، والدمار يجرّ الدمار. إنّ الغريب لا يؤتمَن، وليس لنا سوى الله، ليجمع شملنا، ويصفّي أحقادنا، ويوحّد صفوفنا، وينـزّه نيّاتنا تحت سماء وطن واحد أبيّ عزيز.
أعطِنا سلامك، يا ربّ، لا كما يعطيه العالَم، بل كما تريده أنت!
سدّدْ خطانا وخطا القائمين على شؤون الوطن، إلى سبيل السلام "طُوبى للساعين إلى السلام، فإنّهم أبناءَ الله يُدْعَون" (متّى 5/9).

المسيح قام... حقّاً قام!

عيد الفصح المجيد
الأحد، 8 نيسان 2012

المطران بطرس مراياتي

رئيس أساقفة حلب وتوابعها للأرمن الكاثوليك

 

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | الدليل | مراجع مفيدة | إتصل بنا
ابحث في الموقع: 
اقرأ هذه الصفحة باللغة :    
جميع حقوق النشر محفوظة © للكنيسة الأرمنيّة الكاثوليكيّة